محمد بن جرير الطبري

355

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

دون بعض ، إذ كان جائزا فصيحا في كلام العرب إضافة ما وصفنا من اتباع أسلاف المخبر عنهم بقوله : وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ إلى أخلافهم بعدهم . ولم يكن بخصوص ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أثر منقول ، ولا حجة تدل عليه ، فكان الواجب من القول في ذلك أن يقال : كل متبع ما تلته الشياطين على عهد سليمان من اليهود داخل في معنى الآية ، على النحو الذي قلنا . القول في تأويل قوله تعالى : ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ يعني جل ثناؤه بقوله : ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ الذي تتلو . فتأويل الكلام إذا : واتبعوا الذي تتلو الشياطين . واختلف في تأويل قوله : تَتْلُوا فقال بعضهم : يعني بقوله : تَتْلُوا تحدث وتروي وتتكلم به وتخبر ، نحو تلاوة الرجل للقرآن وهي قراءته . ووجه قائلوا هذا القول تأويلهم ذلك إلى أن الشياطين هي التي علمت الناس السحر وروته لهم . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن عمرو ، عن مجاهد في قول الله : وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ قال : كانت الشياطين تسمع الوحي ، فما سمعوا من كلمة زادوا فيها مائتين مثلها ، فأرسل سليمان إلى ما كتبوا من ذلك فجمعه . فلما توفي سليمان وجدته الشياطين فعلمته الناس ؛ وهو السحر . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ من الكهانة والسحر ؛ وذكر لنا والله أعلم أن الشياطين ابتدعت كتابا فيه سحر وأمر عظيم ، ثم أفشوه في الناس وعلموهم إياه . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال عطاء : قوله : وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ قال : نراه ما تحدث . حدثني سلم بن جنادة السوائي ، قال : ثنا أبو معاوية ، عن الأَعمش ، عن المنهال ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : انطلقت الشياطين في الأَيام التي ابتلي فيها سليمان ، فكتبت فيها كتبا فيها سحر وكفر ، ثم دفنوها تحت كرسي سليمان ، ثم أخرجوها فقرءوها على الناس . وقال آخرون : معنى قوله : ما تَتْلُوا ما تتبعه وترويه وتعمل به . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن عمرو العنقزي ، قال : حدثني أبي ، عن أسباط ، عن السدي ، عن أبي مالك ، عن ابن عباس : تَتْلُوا قال : تتبع . حدثني نصر بن عبد الرحمن الأَزدي ، قال : ثنا يحيى بن إبراهيم ، عن سفيان الثوري ، عن منصور ، عن أبي رزين مثله . قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن الله عز وجل أخبر عن الذين أخبر عنهم أنهم اتبعوا ما تتلو الشياطين على عهد سليمان باتباعهم ما تلته الشياطين . ولقول القائل : " هو يتلو كذا " تلي في كلام العرب معنيان : أحدهما الاتباع ، كما يقال : تلوت فلانا إذا مشيت خلفه وتبعت أثره ، كما قال جل ثناؤه : هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ يعني بذلك تتبع . والآخر : القراءة والدراسة ، كما تقول : فلان يتلو القرآن ، بمعنى أنه يقرؤه ويدرسه ، كما قال حسان بن ثابت : نبي يرى ما لا يرى الناس حوله * ويتلو كتاب الله في كل مشهد ولم يخبرنا الله جل ثناؤه بأي معنى التلاوة كانت تلاوة الشياطين الذين تلوا ما تلوه من السحر على عهد سليمان بخير يقطع العذر . وقد يجوز أن تكون الشياطين تلت ذلك دراسة ورواية